قرار بالفرار
قرار بالفرار
حين تتردّد في أذنيك الأصوات والكلمات، وتتحوّل لتصبح ضجيجًا متكرّرًا كأمواج البحر الهادر، تتردّد في أعماق عقلك كطبول لا تهدأ ولا تنكسر. يبرز حينها الفرق بين الصدق والكذب والخداع كنغمة نشاز، كوترٍ مكسورٍ في عزفٍ طويل. لكن عليك أن تتحمّل هذا الضجيج لتُميّز بين ما هو غثّ وما هو ثمين، بين ما يذوب كالرماد وما يلمع كالذهب في الميزان.
حين تميل إلى الإنصات، وتشعر أن كثرة الكلام تُثقل قلبك كحجارةٍ في وادٍ عميق، وأن الصمت هو المفرّ، حينها ستتخذ القرار بالفرار.
ومع مرور الأعوام، ستختزل حديثك إلى الضروري فقط: سؤال قصير، جواب مختصر، إيماءة تغني عن عبارة. فالكلمات يا عزيزي قد تصبح طلقاتٍ تقتل مثل الرصاص، أو قطرات ماءٍ تخصب الأرض الجرداء. وفي كل الأحوال، إن كثرت فقدت كل معانيها، وتحوّلت إلى صدى بلا معنى، إلى غبارٍ يتطاير في الهواء. ولهذا عليك أن تجعلها قليلة، معبّرة، صادقة، وإلا فلا داعي لها.
هذا ليس هروبًا من الناس، بل هروبًا من الضجيج، من التكرار الذي يذيب المعنى ويُطفئ النور. إن كان كل ما تريده هو الصفاء والسمو والرقي، حيث كل كلمة لها وزن، وكل صمت له صدى، وكل حرف له ظلّ يمتدّ في الروح.
يجب عليك أن تزن الحروف بميزان الذهب، تختار من الكلام ما هو ضروري، وتترك الباقي يذوب في الهواء كملحٍ في ماء. قراري بالفرار كان بدايةً لعالم داخلي غنيّ، حيث الحوار الحقيقي مرئي ومسموع، لكنه حتمًا صادق، نقيّ، عميق، كأنشودةٍ تُغنّى في ليلٍ طويل
قرار جامد
ReplyDelete